الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
149
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإن كان البهتان مستعارا للباطل الشبيه بالخبر البهتان ، كان بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ محتملا للكناية عن تمكين المرأة نفسها من غير زوجها يقبلها أو يحبسها ، فذلك بين يديها أو يزني بها ، وذلك بين أرجلها . وفسره أبو مسلم الأصفهاني بالسحر إذ تعالج أموره بيديها ، وهي جالسة تضع أشياء السحر بين رجليها . ولا يمنع من هذه المحامل أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بايع الرجال بمثلها . وبعض هذه المحامل لا يتصور في الرجال إذ يؤخذ لكل صنف ما يصلح له منها . وبعد تخصيص هذه المنهيات بالذكر لخطر شأنها عمم النهي بقوله : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ والمعروف هو ما لا تنكره النفوس . والمراد هنا المعروف في الدين ، فالتقييد به إما لمجرد الكشف فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لا يأمر إلا بالمعروف ، وإما لقصد التوسعة عليهن في أمر لا يتعلق بالدين كما فعلت بريرة إذ لم تقبل شفاعة النبي صلى اللّه عليه وسلّم في إرجاعها زوجها مغيثا إذ بانت منه بسبب عتقها وهو رقيق . وقد روي في « الصحيح » عن أمّ عطية أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم نهاهنّ في هذه المبايعة عن النياحة فقبضت امرأة يدها وقالت : أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها . فما قال لها النبي صلى اللّه عليه وسلّم شيئا فانطلقت ورجعت فبايعها . وإنما هذا مثال لبعض المعروف الذي يأمرهن به النبي صلى اللّه عليه وسلّم تركه فاش فيهن . و ورد في أخبار أنه نهاهن عن تبرج الجاهلية وعن أن يحدثن الرجال الذين ليسوا بمحرم فقال عبد الرحمن بن عوف : يا نبيء اللّه إن لنا أضيافا وإنا نغيب ، قال رسول اللّه : ليس أولئك عنيت . وعن ابن عباس : نهاهنّ عن تمزيق الثياب وخدش الوجوه وتقطيع الشعور والدعاء بالويل والثبور ، أي من شؤون النياحة في الجاهلية . و روى الطبري بسنده إلى ابن عباس لمّا أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم البيعة على النساء كانت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان جالسة مع النساء متنكرة خوفا من رسول اللّه أن يقتصّ منها على شقها بطن حمزة وإخراجها كبده يوم أحد . فلما قال : عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ، قالت هند : وكيف نطمع أن يقبل منا شيئا لم يقبله من الرجال . فلما قال : وَلا يَسْرِقْنَ . قالت هند : واللّه إني لأصيب من مال أبي سفيان هنات فما أدري أتحل لي أم لا ؟ فقال : أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال . فضحك